العلاقات الأفغانیة-الباکستانیة فی ظل الصراعات حول خط دیورند و تداعیاتها

إن خط ديورند يعد واحدا من أكثر القضايا التاريخية والسياسية تعقيدا في جنوب آسيا؛ إذ يتجاوز كونه مجرد حد جغرافي بين دولتين، ليُشكل محورا دائما للتوتر بين كابول وإسلام آباد.

إن خط ديورند يعد واحدا من أكثر القضايا التاريخية والسياسية تعقيدا في جنوب آسيا؛ إذ يتجاوز كونه مجرد حد جغرافي بين دولتين، ليُشكل محورا دائما للتوتر بين كابول وإسلام آباد.
فقد نشأ هذا الخط في سياق استعماري أواخر القرن التاسع عشر، حين رسمت بريطانيا حدود نفوذها في المنطقة عبر اتفاق مع الأمير عبد الرحمن، دون مراعاة كافية للتركيبة الاجتماعية والقبلية للسكان المحليين. ومنذ ذلك الحين، ظل هذا الخط مثار جدل واسع، حيث تعتبره باكستان حدودا دولية شرعية، في حين تنظر إليه أفغانستان بوصفه إرثا استعماريا فُرض في ظروف خاصة. وقد أسهم هذا التباين في المواقف في تعميق الخلافات السياسية والأمنية بين البلدين، خاصةً مع ما ترتب عليه من تقسيم للجماعات القبلية، وعلى رأسها الشعب البشتوني، بين طرفي الحدود. إن دراسة خط ديورند لا تنفصل عن فهم طبيعة العلاقات الأفغانية–الباكستانية، إذ ظل هذا الملف حاضرا في مختلف المراحل التاريخية، من الصراع الدبلوماسي إلى التوترات العسكرية مباشرة وغير مباشرة. كما أن التحولات الإقليمية والدولية زادت من تعقيد هذه القضية، وجعلت منها عاملا مؤثرا في استقرار المنطقة بأسرها.
وعليه، نسعى في هذا التقرير إلى تسليط الضوء على الجذور التاريخية لخط ديورند، وتحليل تأثيراته السياسية والأمنية على العلاقة بين كابول وإسلام آباد، مع محاولة استشراف آفاق هذا النزاع في ظل المتغيرات الراهنة.
الخلفية التاريخية:
تعود قضية خط ديورند إلى أواخر القرن التاسع عشر، حين أقدم السید مارتيـمر ديورند، وزير خارجية حكومة الهند البريطانية، في الحادي عشر والثاني عشر من نوفمبر سنة 1893م، على إبرام اتفاقين مع الأمير عبد الرحمن خان (۱۸۴۰- 1901م/ الحكم: 1880-1901م)، شكلا أساسا لترسيم الحدود في المنطقة. وقد تناول الاتفاق الأول تحديدَ الخط الفاصل بين بدخشان الأفغانية وبدخشان التابعة لروسيا القيصرية، ممتدا من جبال پامير حتى ملتقى نهر آمو (جیحون) بنهر كوكجه (كوكچه)، في مسار طويل يعكس طبيعة التنافس الدولي آنذاك. أما الاتفاق الثاني، وهو الأشهر، فقد رسم خطا يبدأ من جمال بامير (پامير) وينتهي عند جبل ملك سياه، حيث تلتقي حدود أفغانستان وإيران وبلوشستان التابعة للهند البريطانية سابقا، وهو ما عُرف لاحقا بـ"خط ديورند". وقد قُسم هذا الخط، وفقا لما أورده المهندس البريطاني هولديتش، إلى عدة مقاطع جغرافية متمايزة، تعكس التنوع الإثني والقبلي في المناطق الحدودية، حيث تمتد هذه الأجزاء عبر بدخشان ونورستان وكونر ووزيرستان وصولا إلى بلوشستان بطول 2600 كيلومترا. ويُلاحظ أن هذا الخط لم يكن مجرد ترسيم إداري، بل أدى إلى فصل جماعات بشرية متقاربة عرقيا وثقافيا، مثل االبشتون والنورستانيين والبلوش، مما أضفى عليه طابعا إشكاليا منذ نشأته. ومن هنا، فإن فهم الخلفية التاريخية لتشكل خط ديورند يُعد مدخلا أساسيا لتحليل الإشكالية المستمرة بين أفغانستان وباكستان، إذ لم يكن هذا الخط وليد توافق طبيعي، بل نتاج سياق استعماري فرض معادلات جيوسياسية ما تزال آثارها قائمة حتى اليوم.
تعود جذور قضية ديورند إلى النصف الأول من القرن التاسع عشر، حين أبرم حكام أفغان عدة اتفاقيات مع القوى الإقليمية والاستعمارية. فقد وقع شاه شجاع (1785م تقريبا– 1842م) معاهدة لاهور الثلاثية سنة 1838م مع رنجيت سنغ والبريطانيين، والتي اعترف فيها بفقدان مناطق واسعة من الأراضي الواقعة شرق نهر السند. ثم جاءت معاهدة جمرود سنة 1855م في عهد دوست محمد خان (1793م – 1863م)، والتي كرست علاقات سياسية مع البريطانيين وأدت عمليا إلى تثبيت النفوذ البريطاني في مناطق حدودية مهمة. كما أسهمت معاهدة غندمك سنة 1879م، التي وقعها محمد يعقوب خان (1849م تقريبا– 1923م)، في منح البريطانيين السيطرة على مناطق استراتيجية مثل خيبر وبيشاور ومناطق أخرى. وفي هذا السياق، جاء اتفاق ديورند سنة 1893م ليحسم مسألة الحدود بشكل رسمي، حيث وافق عبد الرحمن خان على ترسيم خط يفصل بين أفغانستان والهند البريطانية مقابل امتيازات مالية وضمانات سياسية، منها زيادة الدعم المالي وعدم تدخل روسيا في الشؤون الأفغانية. وقد أدى هذا الاتفاق إلى فقدان أفغانستان مساحات شاسعة تُقدر بأكثر من مئة ألف كيلومتر مربع، كما قسم الجماعات القبلية، خاصة البشتون، بين طرفي الحدود.
بعد وفاة عبد الرحمن خان، عملت بريطانيا على تثبيت خط ديورند عبر معاهدات لاحقة مثل اتفاقية 1905م، ثم تأكد رسميا في معاهدتي راولبندي (1919م) وكابول (1921م). وبعد قيام باكستان سنة 1947م، اعتبرته إسلام آباد حدودا دولية، بينما رفضت كابول الاعتراف به باعتباره نتاجا استعماريا، وهو ما انعكس في توتر العلاقات بين البلدين. وخلال العقود التالية، تذبذب الموقف الأفغاني بين الصمت والمطالبة بحق تقرير المصير، وبلغ التوتر ذروته في عهد داوود خان (1909 – 1978م)، ثم استمر الرفض خلال الحكم الشيوعي بدعم سوفييتي، مقابل دعم باكستان للمعارضة. ورغم توقيع اتفاقية جنيف 1988م، لم يُحل النزاع، كما واصلت طالبان رفض الاعتراف به، وأعلن حامد كرزاي الموقف نفسه مع قبول ضمني بإدارة الحدود، بينما اتسم موقف أشرف غني بالحذر والتركيز على التعاون الأمني دون حسم القضية.
تأثير خط ديورند في العلاقة بين كابول وباكستان:
كما تقدم وقلنا أن خط ديورند هو من أكثر القضايا تعقيدا وحساسية في العلاقات بين أفغانستان وباكستان؛ إذ لم يكن مجرد خط جغرافي يفصل بين دولتين، بل تحول عبر الزمن إلى عامل بنيوي يؤثر في طبيعة التفاعل السياسي والأمني بينهما. فمنذ نشأة باكستان سنة 1947، ظل هذا الخط محل خلاف قانوني وتاريخي، الأمر الذي ألقى بظلاله على مجمل العلاقات الثنائية، وأدى إلى حالة مستمرة من عدم الثقة والتوتر. فمن الناحية السياسية، أسهم الخلاف حول شرعية خط ديورند في إضعاف فرص بناء علاقات مستقرة بين البلدين. فالحكومات الأفغانية المتعاقبة لم تتبن موقفا موحدا تجاه هذا الخط؛ إذ تراوحت مواقفها بين الرفض القاطع، والقبول الضمني، والدعوة إلى التفاوض. وفي المقابل، تبنت باكستان موقفا أكثر ثباتا، يقوم على اعتبار الخط حدودا دولية نهائية. هذا التباين في المواقف خلق فجوة سياسية عميقة، جعلت أي تقارب بين الطرفين هشا وقابلا للانهيار عند أول أزمة.
أما على الصعيد الأمني، فقد كان لخط ديورند تأثير مباشر في طبيعة التهديدات العابرة للحدود. فبسبب الامتداد القبلي والاجتماعي على جانبي الخط، ظلت الحدود مفتوحة عمليا أمام حركة الأفراد والجماعات، بما في ذلك الجماعات المسلحة. هذا الواقع حوّل المنطقة إلى فضاء ملائم لنشاط التنظيمات المتطرفة، مثل داعش خراسان، وحركة طالبان الباكستانية التي تستفيد من ضعف السيطرة الحدودية ومن التعقيدات السياسية القائمة. وفي هذا السياق، تشير تصريحات بعض الساسة الأفغان إلى احتمال سعي بعض الفاعلين الإقليميين إلى نقل ساحة الصراع من المناطق الحدودية إلى داخل الأراضي الباكستانية. وعلى الرغم من أن هذه التصريحات تبقى في إطار التقدير الأمني، فإنها تعكس واقعا مهما يتمثل في تحول خط ديورند إلى مسرح للتنافس الجيوسياسي؛ إذ لم يعد الصراع محصورا بين كابل وإسلام آباد، بل أصبح جزءا من شبكة أوسع من التفاعلات الإقليمية التي تشمل دولا مثل إيران والهند وروسيا.
ومن زاوية العلاقات الدولية، يمكن تفسير هذه الديناميات في إطار مفهوم "الحرب بالوكالة"، حيث تستخدم بعض الأطراف، جماعات غير حكومية لتحقيق أهدافها الاستراتيجية دون الانخراط المباشر في الصراع. فإذا تحققت الفرضيات التي تتحدث عن توظيف جماعات مسلحة للضغط السياسي أو الأمني، فإن خط ديورند يتحول إلى أداة في لعبة توازنات إقليمية معقدة، بدلا من كونه مجرد قضية حدودية. كما أن هذا الخط أسهم في تعميق أزمة الثقة بين البلدين. فكل طرف يتهم الآخر بدعم جماعات معادية له. وقبل سقوط الدولة في 2021، كانت الدولة الأفغانية تتهم إسلام آباد بإيواء أو دعم بعض الفصائل المسلحة خاصة حركة طالبان التي تسيطر على الأراضي الأفغانية حاليا، بينما ترى باكستان أن الأراضي الأفغانية تُستخدم منطلقا لتهديد أمنها الداخلي خاصة بعد عودة طالبان على الحكم. هذا التبادل المستمر للاتهامات يجعل من الصعب بناء آليات تعاون أمني فعالة، ويُبقي العلاقات في حالة توتر دائم. ومن هذا المنطلق حدث توتر حاد بين باكستان وحكومة طالبان الأفغانية، والذي أدى إلى هجمات متقابلة منذ أكتوبر 2025.
ومن الناحية الاقتصادية أدى غياب الاستقرار على طول خط ديورند إلى إعاقة مشاريع التعاون الإقليمي، خصوصا في مجالات التجارة والطاقة والنقل. فالحدود غير المستقرة تعني ارتفاع المخاطر الأمنية، وهو ما ينعكس سلبا على الاستثمارات وعلى المبادرات المشتركة. كما أن القيود المفروضة على حركة الأفراد والبضائع، نتيجة التوترات السياسية، أضعفت من إمكانات التكامل الاقتصادي بين البلدين. ومنذ التوتر الذي حدث بين باكستان وحكومة طالبان، أغلقت المعابر بين البلدين وتوقفت حركة النقل والتجارة إلى شبه كامل.
ومن ناحية أخرى يُمثل خط ديورند عاملا في تقسيم مجتمعات متداخلة إثنيا وقبليا، خصوصا في المناطق البشتونية. هذا الانقسام لم يكن مجرد تقسيم جغرافي، بل أدى إلى إشكاليات في الهوية والانتماء، وأصبح مصدرا للتوترات السياسية، حيث يُستَخدم أحيانا في الخطاب القومي أو في تعبئة الرأي العام. كما أثر هذا الخط على ترتيب الصفوف السياسية والاجتماعية في أفغانستان، حيث أن إظهار الرأي فيه يكلّف الكثير للقادة السياسيين. وخير مثال لما حدث من هذه الظاهرة ما قاله محمد محقق السياسي الأفغاني، حيث اعتبر أن هذا الخط هو الحد الرسمي بين البلدين، القول الذي تسبب ضجة كبيرة في الإعلام الأفغاني وانقساما حادّا في الرأي العام بين التأييد والرفض. ومن هنا يتضح أن تأثير خط ديورند يتجاوز بكثير مسألة ترسيم الحدود، ليشمل أبعادا سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية متشابكة. فهو من جهة يُغذي عدم الاستقرار، ومن جهة أخرى يوفر أرضية لتدخل الفاعلين الإقليميين والدوليين. ومع استمرار غياب حل نهائي لهذا النزاع، يبقى هذا الخط أحد أبرز العوامل التي تعيق تطبيع العلاقات بين أفغانستان وباكستان. ومن ثم فإن معالجة هذه الإشكالية تتطلب مقاربة شاملة تقوم على الحوار السياسي، وتعزيز الثقة المتبادلة، وتفعيل آليات التعاون الحدودي، إضافة إلى إشراك المجتمع الدولي عند الحاجة. فبدون التوصل إلى صيغة متفق عليها بشأن خط ديورند، ستظل العلاقات بين البلدين رهينة للتقلبات، وسيبقى هذا الخط بؤرة توتر تهدد الاستقرار الإقليمي برمته.