كانت العبادة محاولة لإقامة صلة بين الإنسان وعالم الغيب ومواجهة المطلق في الوجود، أما مؤسسة المعبد فقد مزجت الدين بالدنيا، وتحولت هي نفسها إلى شريك في السلطة والثروة. وقد أدى ظهور مؤسسة المعبد إلى نشوء فئة أو طبقة من الناس عُرفت برجال الدين، أو بحسب المصطلحات القديمة: الكهنة، والشامانات، والأحبار وما شابه ذلك. وكان هؤلاء، إلى جانب العسكريين والسياسيين والتجار والعلماء وغيرهم، جزءًا من منظومة السلطة ومن المساهمين فيها، وإن لم يدّعوا في أغلب مراحل التاريخ امتلاك هذه المنظومة بأكملها. وفي فترات محدودة، حين سعوا إلى الاستحواذ الكامل على جهاز السلطة، أدّت النتائج الكارثية لذلك إلى سقوطهم أو عودتهم إلى موقعهم الأول.
في الإسلام لم يُعترف رسميًا بمؤسسة تُسمّى رجال الدين، وقد وُجّه النقد في القرآن الكريم مرارًا إلى الذين سُمّوا بالأحبار والرهبان. وكان جزء من هذا النقد موجّهًا إلى أنهم يبيعون آيات الله ويتاجرون باسمه. غير أن التجربة التاريخية للمسلمين سارت في اتجاه مغاير، فكما حدث في سائر الأديان، نشأت مع مرور الزمن لدى المسلمين أيضًا طبقة من رجال الدين، وبرزت مؤسسة ترى نفسها صاحبة الصلاحية في تفسير الدين والدعوة إليه. وكانت هذه المؤسسة تُعرف في البداية باسم "القُرّاء"، ثم أصبحت تُسمّى لاحقًا بالفقهاء والعلماء والوعاظ والمحتسبين وغير ذلك، مع أنها ظلت تتعرض للتحدي من فئات أخرى، من الصوفیة إلى سائر الحكماء والمفكرين.
أما الأصولية الدينية المعاصرة، وهي وليدةُ علاقات العصر الحديث ومتأثرة بتحولاته السياسية، فقد دخلت في منافسة مع الأيديولوجيات الناشئة، فسعت إلى إعادة بناء المعبد وتقديمه في هيئة جديدة. ولكي تضخ دمًا جديدًا في عروقه، فتحت المجال أمام أشخاص من خارج رجال الدين التقليديين، من أهل الطب والهندسة وسائر التخصصات، ليظهروا هم أيضًا في دور رجال الدين بعد أن يخضعوا لهذه الأيديولوجيا. وكثير من الشخصيات البارزة في الأصولية الدينية في العالم الإسلامي لم يكونوا من خريجي المدارس الدينية الرسمية، بل كان بعضهم من خريجي تخصصات دنيوية علمانية خالصة كالطب والهندسة، أو في الحد الأقصى العلوم الاجتماعية.
لقد دخلت الأصولية المعركة بقوة أحدثت استحالة في المعبد، ودفعت رجال الدين التقليديين، الذين كانوا يكتفون سابقًا بالمشاركة في الثروة والسلطة، إلى إغراء امتلاكهما بالكامل، حتى ظهر رجال الدين في هيئة رجال دنيا مكتملين، يطالبون بالحكم المطلق بلا تردد ولا خجل، سواء في صورة ولاية الفقيه الشيعية أو في صورة الإمارة والخلافة السنية. ومن الطبيعي أن كل معبد يُنتج كهنته، أو أن كل معبد إنما يُبنى أساسًا لخدمة مصالح الكهنة، ولذلك لا يمكن كتابة تاريخ المعبد دون كتابة تاريخ الكهنة.
إن كهنة عصرنا خرجوا من مدرسة الأصولية المعاصرة، وغالبهم يسعى إلى التسلح بأدوات العصر الحديث، فكريًا وتقنيًا. وهم لا يكتفون بترسانة الأسلحة التقليدية، لأنهم لا يرونها كافية في هذه المعركة، ولذلك يحاولون استخدام الأدوات الأكاديمية، والأساليب الصحفية الحديثة، وحيل الأحزاب السياسية المعاصرة معًا، لكي لا ينقصهم شيء عن بقية المتنافسين على السلطة. وللمعابد الجديدة بين المسلمين أسماء وعلامات متعددة، مثل الإخوان المسلمين، والسلفية، وحزب التحرير، وطالبان، والقاعدة، والدولة الإسلامية في العراق والشام، والدولة الإسلامية في خراسان، ونظام ولاية الفقيه المطلقة. وهذه القصة جارية أيضًا في أتباع الديانات الأخرى. ولكل واحد من هذه المعابد كهنته الخاصون، بكل ما يلزم للوصول إلى السلطة من موارد مالية، ومؤسسات تجارية، وأجهزة دعائية، ومؤسسات تعليمية، وتنظيمات سياسية، وأحيانًا ـ إذا اقتضت الظروف ـ أذرع عسكرية وأجهزة استخبارات وتنظيمات أمنية.
ورغم الأدوات الجديدة والإمكانات الحديثة التي يمتلكها كهنة المعابد الجديدة، بل رغم امتلاكهم أحدث أنواع الحواسيب والهواتف الذكية المزودة بأحدث البرمجيات الرقمية، فإنهم يعانون في ميدان شؤون الدنيا من عدم القدرة علی إنجاز يمنحهم الشرعية. ولذلك يضطرون إلى اللجوء إلى الحيلة التاريخية القديمة نفسها: الادعاء بالتحدث باسم الله، وامتلاك الحقيقة، وحق التفسير الحصري لكلام الله. وهذا الادعاء بالحق الحصري يمنحهم، في نظر المجتمعات المتخلفة، حرمًا آمنًا بامتيازات الهيمنة والسلطان، بحيث يحكمون لا على الأجساد وحدها بل على العقول أيضًا، ولا على الجيوب فقط بل على القلوب كذلك.
ومن هنا تنبع أهمية الولاء للقائمين على المعبد، فكل من لم يُثبت إخلاصه للكهنة، مهما بلغ من العلم ـ تقليديًا كان أو حديثًا ـ يُعتبر غير مؤهل للكلام في هذا المجال. وإذا تجرأ أحد، اعتمادًا على العلم والعقل، على مساءلة هذا الحق الحصري في الحديث باسم الله، اتُّهم بالبدعة، وأُحيطت به الشبهات في دينه، وحُكم عليه بالردة.وكذلك فإن المعارف التي تمنح القدرة على التفكير النقدي، والعلوم التي تساعد على إعادة النظر والتأمل، ومن بينها الفلسفة، تُعدّ رجسًا ملعونًا. وتُقاس قيمة الفن والتقنية والعلم بمدى إسهامها في تربية حراس أوفياء للمعبد، "فرسان الهیکل".
إن إصدار مثل هذه الأحكام ضد المختلفين فكريًا هو في الحقيقة عملية تصفية وإقصاء، حتى وإن لم يُصرَّح بذلك صراحة. ففي فضاء يهيمن عليه رجال المعبد، فإن اتهام شخص بالإلحاد والردة يعني عمليًا تجريده من قيمة حياته واعتبار دمه مباحًا. وهذا ما تكرر عبر التاريخ بحق المفكرين الأحرار والمخالفين، من صلب عين القضاة الهمداني وشهاب الدين السهروردي في التاريخ القديم، إلى اغتيال فرج فودة وإعدام محمود محمد طه في العصر الحديث، فضلًا عن إرهاب آلاف العلماء والباحثين وإسكاتهم في أنحاء العالم.
لكن، في الجهة الأخرى، فإن ختم النبوة في الإسلام يعني أيضًا نهاية الحق الحصري في التحدث باسم الله. فلا يملك أي شخص أي سند يجعله ناطقًا باسم الله، أو يفرض تفسيره لكلام الله بوصفه التفسير الوحيد الصحيح والمعقول. إن مجال الفكر والاجتهاد ملكٌ مشاع، وفضاءٌ عام، ولكل إنسان ـ بقدر ما يملك من علم وعقل ـ الحق في مساءلة المدّعين الحديث باسم الله، والمطالبة بالدليل على كل دعوى، ووضع كل دليل على محك الاختبار.
ويبقى السؤال: إلى متى سيظل سلاح التكفير فاعلًا؟ وإلى متى سيستمر جهل الجماهير في منحه هذه الحِدّة؟