كيف تهدد الأزمة البيئية مستقبل أفغانستان؟

بالتزامن مع اليوم العالمي للبيئة، تظهر تقارير المؤسسات الوطنية والدولية أن أزمة المناخ وتدهور الموارد الطبيعية في أفغانستان تحولا إلى أحد أخطر التهديدات التي تواجه بقاء هذا البلد واستقراره وأمنه،

بالتزامن مع اليوم العالمي للبيئة، تظهر تقارير المؤسسات الوطنية والدولية أن أزمة المناخ وتدهور الموارد الطبيعية في أفغانستان تحولا إلى أحد أخطر التهديدات التي تواجه بقاء هذا البلد واستقراره وأمنه،
وتتسع هذه الأزمة، وتمتد تداعياتها من تدمير الزراعة وتراجع الموارد المائية، إلى زيادة الفقر والنزوح والهجرة.
تواجه أفغانستان مجموعة من التحديات البيئية، من بينها موجات الجفاف المتكررة، وتراجع الغطاء الغابي والمراعي، وتلوث المياه والهواء، وتآكل التربة، والذوبان المتسارع للأنهار الجليدية في جبال هندوكوش، والأضرار الناجمة عن استخراج المعادن بطرق غير معيارية. وقد حولت التغيرات المناخية، وعقود الحرب، والنمو السكاني، وضعف إدارة الموارد الطبيعية، هذه المشكلات إلى أزمة شاملة.
خطر جفاف مصادر المياه في كابل
تظهر إحدى أبرز صور هذه الأزمة في كابل. فقد أدى التوسع في البناء غير المعياري، والاستخدام الواسع للخرسانة، وحفر الآبار العميقة، وضعف شبكة الصرف الصحي، وزيادة عدد السكان، إلى ضغط غير مسبوق على مصادر المياه الجوفية في العاصمة.
وحذرت مجموعة الأزمات الدولية من أنه في حال استمرار المسار الحالي، قد تنضب مصادر المياه الجوفية في كابل بالكامل بحلول عام 2030. وتبدو مؤشرات هذه الأزمة واضحة منذ الآن، إذ انخفض مستوى المياه الجوفية بشكل ملحوظ في مناطق كثيرة.
وقال خبير البيئة كاظم همايون، في حديث لقناة "أفغانستان إنترناشيونال"، إن كابل تحولت خلال أقل من ثلاثة عقود من مدينة ذات موارد مائية مستقرة نسبياً إلى واحدة من أكثر مدن المنطقة هشاشة.
وحذر من أنه في حال استمرار الوضع الحالي، فإن أجزاء من كابل، بينها دشت برتشي، وكارته تشهار، وخواجه رواش، وتايمني، وشركت، وده أفغانان، وشهر نو، والمناطق المحيطة بها، ستواجه جفافاً واسعاً في آبار المياه بحلول عام 2030 أو حتى قبل ذلك.
وأضاف أن خطر التراجع الحاد في مخزون المياه الجوفية لا يقتصر على كابل، إذ تواجه مدن مثل هرات ومزار شريف تحديات مشابهة.
وبالتوازي مع أزمة المياه، أعربت بعثة الأمم المتحدة لتقديم المساعدة إلى أفغانستان (يوناما) عن قلقها من الارتفاع الحاد في تلوث الهواء في كابل، ولا سيما خلال فصل الشتاء. واعتُبر استخدام الفحم الخام، والوقود منخفض الجودة، والازدحام المروري، وسوء إدارة النفايات من العوامل الرئيسية وراء هذا الوضع.
ويقول خبراء إن استمرار هذا المسار قد يزيد خطر الإصابة بأمراض الجهاز التنفسي والسرطان ومشكلات صحية خطيرة أخرى.
الجفاف والسيول.. وجهان لأزمة واحدة
خارج كابل، تظهر التغيرات المناخية في شكل ظواهر متناقضة لكنها مدمرة. وأظهر بحث للمعهد النرويجي للشؤون الدولية، في أبريل 2026، أن نحو 80٪ من سكان أفغانستان يعتمدون بصورة مباشرة أو غير مباشرة على الزراعة، غير أن ارتفاع درجات الحرارة وتغير أنماط هطول الأمطار أديا إلى تفاقم موجات الجفاف المتكررة والتصحر.
وتعد الولايات الوسطى والشمالية والشمالية الغربية من البلاد أكثر عرضة للجفاف من غيرها، بسبب هشاشة البيئة وضعف القدرة على مواجهة الأزمات.
وقد جعل هذا الوضع حياة المزارعين أكثر صعوبة. ففي الولايات الشرقية، ومن بينها ننغرهار، أدى تراجع مصادر المياه واضطراب أنماط هطول الأمطار، مراراً، إلى تلف المحاصيل الزراعية وزيادة التوتر على الموارد المائية.
وقال أحد مزارعي مديرية غوشته في ننغرهار لبعثة "يوناما": "لم يعد نهرنا قابلاً للتنبؤ، فقد جف العام الماضي في ذروة الحاجة إليه، ودمرت السيول هذا العام جزءاً من محاصيلنا".
ويثير الوضع في الولايات الجنوبية، من بينها قندهار وهلمند ونيمروز وزابل وأروزغان، قلقاً مماثلاً. فقد أدى تراجع المياه الجوفية وجفاف الأنهار إلى أزمة في أنظمة الري التقليدية.
وفي الوقت نفسه، باتت مناطق عانت لسنوات من الجفاف تشهد سيولاً مفاجئة ومدمرة. ويعد خبراء إزالة الغابات على نطاق واسع في ولايات مثل كنر ونورستان ولوغر من العوامل التي فاقمت الخسائر الناجمة عن السيول.
استخراج المعادن وإزالة الغابات
إلى جانب العوامل المناخية، أسهم الاستغلال غير المعياري للموارد الطبيعية في تفاقم الأزمة البيئية.
فقد أدى الركود الاقتصادي والقيود الناجمة عن العقوبات إلى تحول استخراج المعادن إلى أحد مصادر الدخل المهمة لإدارة طالبان. وقاد هذا المسار إلى توسع التعدين غير المعياري وزيادة نشاط المقاولين المحليين والأجانب في قطاع المعادن.
وتظهر تقارير محلية وتقييمات يوناما أن الاستخراج العشوائي للمعادن وتهريبها في بعض المناطق ألحقا أضراراً واسعة بالبيئة. ففي ولايات مثل تخار وبدخشان، دُمّرت أجزاء من السفوح الجبلية والأراضي الزراعية أثناء استخراج الذهب والأحجار الكريمة.
ويحذر خبراء من أن هذه الأنشطة لا تؤدي فقط إلى القضاء على الغطاء النباتي، بل تزيد أيضاً خطر الانهيارات الأرضية والسيول وتلوث مصادر المياه.
وفي الوقت نفسه، أدت إزالة الغابات في شرق البلاد إلى إضعاف أحد أهم الحواجز الطبيعية التي تمتلكها أفغانستان في مواجهة الكوارث الطبيعية.
التداعيات الإنسانية للأزمة
لم تعد الأزمة البيئية في أفغانستان مجرد قضية بيئية، بل تحولت إلى تحدٍّ إنساني واقتصادي.
ومن أبرز تداعيات هذه الأزمة تراجع الأمن الغذائي، وزيادة الفقر، والنزوح الداخلي، والهجرة. فقد أثرت موجات الجفاف، وتدمير الأراضي الزراعية، وتراجع الإنتاج الحيواني، في سبل عيش ملايين الأشخاص.
كما أدى نقص الموارد المائية والأراضي الصالحة للزراعة في بعض المناطق إلى زيادة التوترات المحلية والتنافس على الموارد المحدودة.
وتظهر دراسات دولية أيضاً أن النساء والفتيات أكثر تضرراً من غيرهن بتداعيات التغيرات المناخية. فقد حدّت قرارات طالبان والقيود الاجتماعية والاقتصادية القائمة من وصولهن إلى مصادر الدعم وفرص الدخل، وزادت هشاشتهن أمام الأزمات المناخية.
العزلة الدولية وتحدي مواجهة الأزمة
تتفاقم الأزمة البيئية في أفغانستان في وقت يواجه فيه هذا البلد قيوداً واسعة في تفاعلاته الدولية.
ويقول خبراء إن مواجهة التغيرات المناخية تتطلب الوصول إلى الموارد المالية، والمعرفة الفنية، والتعاون الدولي، غير أن أفغانستان، الخاضعة لسيطرة طالبان، استُبعدت خلال السنوات الأخيرة من كثير من الاجتماعات والبرامج العالمية المرتبطة بالمناخ.
وفي الوقت نفسه، أدى الخلاف بين طالبان والمجتمع الدولي بشأن طريقة إدارة المساعدات الدولية والرقابة عليها إلى تعقيد تنفيذ المشاريع التنموية والبيئية.
وتؤكد الدول المانحة أن المساعدات التنموية يجب أن تُدار عبر آليات شفافة ومستقلة، في حين تصر طالبان على تنفيذ المشاريع عبر هياكلها الحكومية.
مستقبل يثير القلق
تعد الأزمة البيئية من أهم الأزمات الجارية في أفغانستان. ولا يرى بعض المراقبين أن خطرها وتهديدها أقل من خطر الإرهاب والتطرف. ومع ذلك، لم يحظَ هذا الخطر الصامت في أفغانستان باهتمام كافٍ من المجتمع الدولي.
ويؤكد خبراء البيئة ضرورة إعداد استراتيجية وطنية لإدارة الموارد الطبيعية، وحماية المياه الجوفية، وتطوير مشاريع التغذية الاصطناعية للطبقات المائية، وتحسين إدارة المياه السطحية، وزيادة الوعي العام.
ومع ذلك، فإن محدودية الموارد المالية، ونقص الكوادر المتخصصة، واستمرار استخراج المعادن بطرق غير معيارية، والنمو غير المنظم للمدن، وتراجع التعاون الدولي، تجعل فرص تحسن الوضع في المدى القصير صعبة.
ويحذر كثير من الخبراء من أنه في حال استمرار المسار الحالي، ستواجه أفغانستان أزمات بيئية واقتصادية وإنسانية أوسع، وقد تلقي تداعياتها بظلالها على حياة ملايين المواطنين لعقود.