محاكمة متهمين أفغان على خلفية وفاة طالبي لجوء في قناة المانش

بدأت في باريس محاكمة 14 شخصاً، معظمهم مواطنون أفغان، بتهمة الضلوع في وفاة ما لا يقل عن 31 طالب لجوء أثناء عبورهم القناة الإنجليزية «المانش».

بدأت في باريس محاكمة 14 شخصاً، معظمهم مواطنون أفغان، بتهمة الضلوع في وفاة ما لا يقل عن 31 طالب لجوء أثناء عبورهم القناة الإنجليزية «المانش».
وانتُشلت جثث 27 شخصاً كانوا على متن القارب، فيما لا يزال أربعة آخرون في عداد المفقودين. وكان معظم الضحايا من أكراد العراق، وبينهم أيضاً مواطنون من أفغانستان وإثيوبيا وإيران والصومال وفيتنام ومصر. وكانت أصغر الضحايا الذين جرى التعرف على هوياتهم طفلة في السابعة من عمرها، كما ضمّت قائمة الضحايا الذين حُدّدت هوياتهم 15 رجلاً وسبع نساء ومراهقَين.
ويواجه المتهمون تهماً بالقتل غير العمد وتسهيل الهجرة غير القانونية في إطار جماعة إجرامية منظمة. وبحسب لائحة الاتهام، فقد شاركوا في تنظيم رحلة طالبي اللجوء من السواحل الفرنسية إلى بريطانيا خلال شهري أكتوبر ونوفمبر 2021.
ونفى معظم المتهمين التهم الموجهة إليهم. ولا يزال اثنان منهم، يُعتقد أنهما من المنظمين الرئيسيين للرحلة، فارَّين، ويُحاكمان غيابياً.
وانطلق القارب الذي كان يقل طالبي اللجوء من السواحل الفرنسية مساء 23 نوفمبر 2021، لكنه واجه صعوبات في عرض القناة. وبدأ الهواء يتسرب منه تدريجياً، فتسرّبت المياه إلى داخله. ونزل عدد من الركاب إلى الماء لتخفيف وزن القارب، لكنهم لقوا حتفهم بسبب البرد الشديد. ولم ينجُ من الحادث سوى شخصين.
وذكرت صحيفة «الغارديان» أن الحادث هو الأكثر دموية بين حوادث عبور المهاجرين القناة على متن قوارب صغيرة.
وجاء في لائحة الاتهام أن المتهمين شاركوا في إنزال قارب إلى الماء كان «رديء الجودة، وغير صالح للإبحار، ومحمّلاً بما يفوق طاقته الاستيعابية، ويفتقر إلى سترات نجاة مناسبة».
كما يُتهمون بتوفير أماكن إقامة لطالبي اللجوء ونقلهم وتأمين القارب وتحويل الأموال المدفوعة مقابل الرحلة. ويقول كثيرون منهم إنهم كانوا مهاجرين أيضاً، وإن أي دور أدّوه في هذه العملية كان تنفيذاً لتعليمات المنظمين الرئيسيين.
ومن المتوقع أن تستمر المحاكمة، التي بدأت الثلاثاء، نحو ثلاثة أسابيع. ووصل عدد من أفراد عائلات الضحايا إلى باريس لحضور الجلسات الأولى.
وأدى الحادث إلى فتح تحقيقات منفصلة في فرنسا وبريطانيا بشأن أداء أجهزة الإنقاذ. وفي فرنسا، يخضع سبعة من أفراد الجيش والإنقاذ البحري لتحقيق قضائي للاشتباه في عدم تقديم المساعدة لأشخاص كانوا في خطر.
وبحسب «الغارديان»، اتصل المهاجرون نحو 12 مرة بخدمات الإنقاذ البحري الفرنسية والبريطانية، لكن لم يُعثر على القارب إلا بعد نحو 12 ساعة من أول طلب استغاثة. وأبلغ طاقم قارب صيد فرنسي السلطات بعدما رصد عدة جثث طافية قرب المياه البريطانية.
وخلص تحقيق رسمي في بريطانيا إلى أن النقص المزمن في الأفراد أضعف قدرة خفر السواحل على التعامل مع اتصالات الاستغاثة. كما تعذّر إقلاع طائرة مراقبة بسبب سوء الأحوال الجوية. وأظهرت نتائج التحقيق أن تحركاً أسرع من السلطات البريطانية والفرنسية كان يمكن أن يحول دون وفاة ركاب القارب.





أعرب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، عن قلقه إزاء تدهور أوضاع حقوق الإنسان في أفغانستان، مؤكداً أن القيود التي تفرضها طالبان، ولا سيما على النساء والفتيات، تتزايد باستمرار.
ودعا المجتمع الدولي إلى عدم الصمت إزاء معاناة الشعب الأفغاني.
وقال تورك، في بيان أصدره يوم الأربعاء، إن أوضاع ملايين الأشخاص في أفغانستان انتقلت «من سيئ إلى أسوأ»، وإن الحقوق والحريات الأساسية للمواطنين تتعرض لمزيد من القيود، في ظل استمرار تفشي الفقر في البلاد.
وأضاف: «مع مرور كل شهر، تفرض سلطات الأمر الواقع مزيداً من القيود القمعية وتنفذها. ومع ذلك، يبدو أن العالم نسي الشعب الأفغاني وتخلى عنه. إن هذا الصمت يصمّ الآذان».
وانتقد مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان استمرار القيود المفروضة على تعليم النساء وعملهن وحرية تنقلهن ومشاركتهن في الحياة العامة. كما أشار إلى تطبيق قواعد صارمة بشأن لباس النساء وإقصائهن التام من عمليات صنع القرار العام.
وبحسب تورك، فإن المراسيم الجديدة التي أصدرتها طالبان هذا العام جعلت إجراءات انفصال النساء عن أزواجهن أكثر صعوبة، وتهيئ بصورة ضمنية الظروف لزواج الأطفال والعنف ضد النساء والأطفال.
وذكّر تورك بأن طالبان منعت، قبل عام، دخول الأفغانيات، بمن فيهن موظفات الأمم المتحدة والمتعاقدات معها وزائراتها، إلى مكاتب المنظمة في أفغانستان. وأضاف أن نحو 2.2 مليون فتاة وامرأة أفغانية حُرمن من التعليم الثانوي والعالي منذ عودة طالبان إلى السلطة عام 2021.
وقال: «إن الإقصاء المنهجي للنساء والفتيات من الحياة العامة انتهاك غير مقبول لحقوق الإنسان، عمدت سلطات الأمر الواقع إلى تطبيعه وترسيخه مؤسسياً». وشدد على أن القيود المفروضة على النساء والفتيات، التي قال إنها تؤدي إلى «الفصل العنصري القائم على النوع الاجتماعي»، غير مقبولة في أي مجتمع.
وجاء في البيان أن نساءً ورجالاً أفغاناً ما زالوا يتعرضون للاعتقال على يد وزارة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التابعة لطالبان. وبحسب الأمم المتحدة، تجري هذه الاعتقالات في الغالب بدعوى مخالفة القواعد المتعلقة باللباس وطول اللحية وتشغيل الموسيقى أو الاستماع إليها.
كما أعلن مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان أن طالبان أصدرت أحكاماً بعقوبات بدنية بحق ما لا يقل عن 449 امرأة ورجلاً خلال الأشهر الستة الأولى من العام الجاري.
وأعرب أيضاً عن قلقه إزاء استمرار انتهاكات حقوق الإنسان بحق مسؤولي الحكومة السابقة وأفراد قوات الأمن الأفغانية السابقين، مؤكداً أن هذه الانتهاكات لا تزال تُوثَّق.
ووصف تورك وضع وسائل الإعلام في أفغانستان بأنه مثير للقلق. وقال إنها تعمل في ظل رقابة وقيود واسعة، وتُمنع من نشر مواد تعتبرها سلطات الأمر الواقع مخالفة للثقافة الأفغانية وقواعدها. وأضاف أن اعتقال الصحفيين والإغلاق المؤقت لوسائل الإعلام ما زالا مستمرين.
وفي جانب آخر من بيانه، تطرق تورك إلى الترحيل القسري للمهاجرين الأفغان، مشيراً إلى أن إعادتهم قسراً مستمرة رغم تردي أوضاع حقوق الإنسان في أفغانستان.
ووفقاً للأرقام الواردة في البيان، أُعيد أكثر من 400 ألف مواطن أفغاني قسراً إلى أفغانستان، معظمهم من إيران وباكستان. كما رُحّل آخرون من تركيا وطاجيكستان ودول أخرى.
وحذّر من أن كثيراً من العائدين يُرسلون إلى بلد لم يسبق لهم العيش فيه، حيث سيواجهون فقراً مدقعاً ونقصاً في الغذاء ومحدودية في الحصول على مياه الشرب والرعاية الصحية والتعليم وفرص العمل.
وبحسب الأمم المتحدة، لا يزال نحو 21.9 مليون شخص، أي ما يقارب 45 في المئة من سكان أفغانستان، بحاجة إلى مساعدات إنسانية.
ودعا تورك الحكومات إلى مراجعة سياساتها بشأن إعادة المهاجرين الأفغان، وإعطاء الأولوية لحياة الشعب الأفغاني ورفاهه. كما حث دول المنطقة على اتخاذ موقف دفاعاً عن المساواة والكرامة الإنسانية وحقوق جميع المواطنين الأفغان، وعدم التزام الصمت إزاء الوضع الراهن.
بحث عدد من الناشطين الأفغان مع نواب وممثلين عن أحزاب في ألمانيا عمليات ترحيل اللاجئين، والتهديدات المرتبطة بحركة طالبان داخل البلاد، وعلاقات ألمانيا مع الحركة، فيما يُنتظر أن يطرح النواب القضايا التي نوقشت خلال اللقاء في جلسة عامة
للبرلمان الألماني.
وعُقد اللقاء الخميس بمشاركة ما لا يقل عن ثلاثة أعضاء في البرلمان وستة ممثلين عن أربعة من أبرز الأحزاب الألمانية.
وعرض الناشطون الأفغان مخاوفهم بشأن ترحيل اللاجئين إلى أفغانستان الخاضعة لسيطرة حركة طالبان، والتهديدات التي يتعرض لها الأفغان في ألمانيا من جانب الحركة، إضافة إلى الوضع المتدهور للنساء والفتيات داخل أفغانستان.
وحذر الناشطون من مخاطر تعرض الأفغان المقيمين في ألمانيا للرصد والتهديد والضغط من جانب حركة طالبان، وقالوا إن ممثلين للحركة في القنصليات الأفغانية استفسروا من بعض الأشخاص عن هوياتهم وأماكن إقامتهم وعائلاتهم في أفغانستان.
وطالب نواب ألمان بتوثيق هذه الحالات ومتابعتها، وإنشاء آلية مستقلة لمراقبة القمع العابر للحدود الذي تمارسه حركة طالبان.
وعُقد الاجتماع بطلب من اتحاد الأفغان في ولاية شليسفيغ هولشتاين. وقالت عضو الاتحاد والناشطة الأفغانية في ألمانيا فرنغيس سوغند إن الاجتماع شدد على ضرورة وقف ترحيل اللاجئين.
وأضافت أن الحكومة الألمانية كانت قد أعلنت أنها سترحل فقط اللاجئين المدانين بجرائم إلى أفغانستان، إلا أن عدداً من اللاجئين الذين لم يرتكبوا أي جرائم رُحلوا مؤخراً، مؤكدة أن إعادة الأفغان إلى أفغانستان الخاضعة لسيطرة حركة طالبان ليست آمنة.
وقالت سوغند إن كثيراً من الأفغان المقيمين في ألمانيا لا يستطيعون حالياً مراجعة القنصليات الأفغانية لإنجاز معاملاتهم الإدارية خشية استجوابهم من قبل ممثلي حركة طالبان، مشيرة إلى أن بعض الأفغان تعرضوا للتهديد والاستجواب.
كما تناول الاجتماع دفع أموال لحركة طالبان عبر الخدمات القنصلية والمخاوف من استخدامها في تمويل الحركة. وقالت النائبة الألمانية من أصل أفغاني شاهينة غنبير إن حركة طالبان تحصل يومياً على أكثر من 10 آلاف يورو عبر هذه القناة، معتبرة أن ذلك يثير مخاوف بشأن تمويل الحركة.
وقال نواب ألمان إن القمع العابر للحدود الذي تمارسه حركة طالبان يمثل قضية تتعلق بالأمن الداخلي الألماني ويجب التعامل معه بجدية، مؤكدين ضرورة تمكين الأفغان من ممارسة أنشطتهم السياسية والمدنية والاحتجاجية في ألمانيا من دون خوف من الحركة.
وقالت عضو البرلمان الألماني مرسل إيمريش إن على الحكومة معرفة الأشخاص الذين يتعرضون للتهديد داخل ألمانيا، وشددت على ضرورة توثيق حالات التهديد والقمع وتدريب الشرطة ومؤسسات الهجرة على كيفية التعامل معها.
قبل 25 عاماً، في مثل هذا اليوم 9 سبتمبر 2001، قُتل أحمد شاه مسعود، القائد العام للمقاومة المناهضة لطالبان، في هجوم نفذه انتحاريان مرتبطان بتنظيم القاعدة.
واتخذت شهرة مسعود بعد مقتله أبعاداً جديدة ووصلت إلى المستوى العالمي. واليوم، تضم مكتبات ومراكز بحثية في مناطق مختلفة من العالم، من إسلام آباد ونيودلهي إلى بكين وموسكو وباريس وواشنطن، العديد من الكتب والدراسات والمذكرات التي تتناول حياته وإرثه.
لكن أهمية مسعود لا تقتصر على عدد الكتب التي كُتبت عنه، إذ يبقى السؤال الأهم هو: ما مصير إرثه السياسي والنضالي خلال السنوات الـ25 الماضية؟
ترك مسعود وراءه نهجاً في النضال ونموذجاً عسكرياً وسياسياً كان نادراً في ظروف أفغانستان. وتمكن من تشكيل جبهة كبيرة وواسعة نسبياً في مواجهة طالبان، ضمت تيارات مختلفة حافظ كل منها على تنظيمه وهيكله، لكنها اجتمعت ضمن إطار المقاومة المناهضة لطالبان.
ويرى الباحث البارز بشير أحمد أنصاري أن إحدى أهم سمات مسعود كانت قدرته على تشكيل هذه الجبهة الموحدة. وقال إن مسعود كان يتمتع بعدة مصادر للشرعية، إذ كانت لديه "شرعية دينية"، وفي الوقت نفسه "شرعية وطنية"، لأنه، بحسب أنصاري، "لم يقبل قط أن يكون عبداً للخارج وعاش حراً".
وقال أنصاري لـ"أفغانستان إنترناشيونال" إنه في الوقت الذي كانت فيه طالبان، وفق تعبيره، تتكون من جماعة واحدة وقبيلة واحدة وفكر واحد، استطاع مسعود تشكيل جبهة واسعة ووطنية في مواجهتها، امتدت من ننغرهار إلى قندهار، ومن فارياب إلى باميان.
ولم يكن هذا الشمول بالنسبة إلى مسعود مجرد ضرورة عسكرية، بل كان ينظر إلى أفغانستان بما يتجاوز الحدود العرقية والجغرافية. وفي مرحلة كان خطر تقسيم البلاد فيها جدياً، عارض تقسيم أفغانستان إلى شمال وجنوب، ووقف في وجه المواجهة بين البشتون والطاجيك.
ومن هذا المنطلق، وصف أنصاري مسعود بأنه سياسي يتبنى "سياسة أخلاقية"، وقال إنه، بحسب رأيه، "لم يبع أفغانستان، لا أرضها ولا فضاءها". كما وصفه بأنه شخصية مستقلة، مشيراً إلى أن مثل هذا الاستقلال أصبح أقل حضوراً، ولا سيما بعد 20 عاماً من وجود حلف شمال الأطلسي والولايات المتحدة في أفغانستان.
وإلى جانب السياسة، امتلك مسعود سمات عسكرية ميزته عن كثير من قادة عصره. ويرى الصحافي فاضل سنجاركي أن مسعود أسس "أحدث تنظيم لحرب العصابات" في أفغانستان، وأن نضاله كان يقوم على استراتيجية واضحة وتكتيكات محددة.
وقال سنجاركي لـ"أفغانستان إنترناشيونال": "كان مسعود صاحب هدف، يؤمن بطريقه ويقاتل بدافع قوي. وكان يتمتع بموهبة عسكرية استثنائية، لكن قدراته لم تكن تقتصر على ساحة المعركة. كان عميقاً في السياسة أيضاً، ويتمتع بقدرة حادة على الفهم السياسي وسرعة في الرؤية، وكان قادراً على إدراك الضرورات والدقائق السياسية".
وقال سنجاركي إن مسعود خرج من صميم معتقدات وتقاليد وقناعات المجتمع الأفغاني، وكان هو نفسه تجسيداً للقيم الدينية والثقافية لجزء من هذا المجتمع. وأضاف أنه يمكن للمرء ألا يحب مسعود، لكنه لا يستطيع تجاهل ما تمتع به من كاريزما وثبات وشجاعة ووطنية وبساطة في العيش وإيمان بالشعب وإرادته.
ماذا فعلوا بإرث مسعود؟
لكن ربما يكون السؤال الأهم بعد 25 عاماً على مقتل مسعود هو: ماذا فعل الذين يعدون أنفسهم ورثة نهجه بهذا الإرث؟
بعد مسعود، واجه المعسكر المناهض لطالبان فراغاً قيادياً لم يُملأ خلال ربع القرن الماضي، ويبدو اليوم أكثر وضوحاً من أي وقت مضى.
وسلك المقربون من مسعود ورفاقه في السلاح، خلال العقدين اللذين أعقبا مقتله، مسارات مختلفة. وتحولت المنافسة على زعامة أفغانستان وقيادتها تدريجياً إلى تنافس على المواقع والمكانة بين بعضهم بعضاً، فيما استنزفت محاولات إضعاف المنافسين الداخليين وإقصائهم وعزلهم جزءاً كبيراً من طاقة هذا التيار السياسية.
وفي الوقت الذي واجهت فيه أفغانستان، مع عودة طالبان، أزمة سياسية وأمنية كبيرة مرة أخرى، ظلت بعض القوى التي كانت تقف معاً في مواجهة طالبان غارقة في خلافاتها ومنافساتها الداخلية.
ومرت خمس سنوات على عودة طالبان، لكن الفراغ القيادي في الجبهة المناهضة لها لا يزال قائماً. فلم تظهر شخصية تتمتع بالمستوى نفسه من النفوذ والكاريزما، كما لم تتمكن القوى القريبة من مسعود من إنشاء جبهة سياسية واسعة ومستدامة.
وربما تكون هذه أكبر فجوة بين مسعود ومن يدعون وراثة إرثه.
مسعود.. استثناء أم نموذج؟
لم يكن مسعود مجرد قائد عسكري. كان يمتلك إرادة حديدية ولم يتزعزع في قناعاته، وكان لديه إحساس بالانتماء والمسؤولية تجاه بلاده. ولم يكن مغادرة البلاد أو الاستسلام خياراً بالنسبة إليه.
وتكتسب هذه السمات أهمية أكبر في الظروف الحالية لأفغانستان، التي تواجه مرة أخرى أزمة في القيادة والتمثيل السياسي، بعد عقدين من الوجود العسكري والسياسي الأجنبي، وسقوط الحكومة السابقة، وعودة طالبان.
ويرى بشير أحمد أنصاري أن إحدى السمات الأخرى لمسعود كانت "التفكير الكبير". وقال إن مسعود كان يرفض تقسيم أفغانستان ويفكر في البلاد كلها. وحتى في قضية خط ديورند دفع ثمناً باهظاً، وهو موقف يرى أنصاري أن كثيراً من خصومه لا يريدون حتى الاعتراف له بهذا الرصيد.
ويقول أنصار القائد العسكري إن المشكلة الأساسية ربما تكمن هنا، إذ لم يتمكن أتباع مسعود والمحيطون به من حمل الصخرة التي حملها هو.
وأظهرت أحداث السنوات الـ25 الماضية أن حمل اسم مسعود لا يعني بالضرورة السير على نهجه. فكثير ممن يعتبرون أنفسهم امتداداً لخطه لم يتمكنوا عملياً من إعادة إنتاج بعض أهم سماته السياسية، ومنها الاستقلال والشمول والرؤية الوطنية والتنظيم المتماسك والقدرة على تشكيل جبهة موحدة.
ومع ذلك، لا يزال مسعود حاضراً في الذاكرة السياسية لأفغانستان. ولا تزال المقاومة تتنفس باسمه، فيما يواصل عدد كبير من الناس اتباع نهجه الفكري وطريقه في النضال. ويظهر هذا الحضور المستمر أن مسعود، بالنسبة إلى جزء من المجتمع الأفغاني، ليس مجرد قائد ينتمي إلى الماضي، بل رمز للصمود والاستقلال والمقاومة.
ومن هذا المنطلق، قال فاضل سنجاركي: "لم يكن مسعود حاجة الأمس فقط، بل هو حاجة اليوم أيضاً، وغداً ودائماً سنكون بحاجة إلى بطل مثله"، ممن يستطيعون إبقاء "الراية الوطنية" مرفوعة.
وطالما كان مسعود على قيد الحياة، لم تتمكن طالبان من السيطرة على بنجشير. لكن بعد 20 عاماً على مقتله، وصلت طالبان إلى قبره ورقص عناصرها هناك.
وهذه الصورة، أكثر من كونها مجرد حدث رمزي، قد تعكس بشكل مؤلم المسافة بين إرث مسعود وأداء كثير ممن يدعون وراثة هذا الإرث.
وقاتل مسعود تنظيم القاعدة وطالبان وجماعات إرهابية أخرى في وقت لم يكن فيه كثيرون قد أدركوا بعد حجم هذه التهديدات على نحو صحيح. ولا يزال نهجه الفكري يحتفظ بمشروعيته، فالتهديدات التي حذر منها قبل ثلاثة عقود لا تزال قائمة اليوم في أفغانستان والمنطقة. وقد قاتل القاعدة وطالبان، وواجه أيضاً جماعات إرهابية إقليمية أخرى في أفغانستان.
نشرت شخصيات وقادة سياسيون رسائل في الذكرى الـ25 لاغتيال أحمد شاه مسعود، البطل الوطني لأفغانستان، ووصف مسؤولون في الحكومة السابقة وقادة سياسيون أحمد شاه مسعود بأنه "رمز للمقاومة في مواجهة الاستبداد"، مؤكدين ضرورة الاقتداء بنضاله.
ويُعد أحمد شاه مسعود، الذي قاتل الجيش السوفيتي ثم حركة طالبان، أحد أكثر الشخصيات تأثيراً وإثارة للجدل في تاريخ أفغانستان المعاصر. وقُتل في 9 سبتمبر 2001 في مديرية خواجه بهاء الدين بولاية تخار، في هجوم نفذه مهاجمان.
ونشرت شخصيات من الحكومة السابقة، بمناسبة الذكرى الـ25 لاغتيال القائد السابق، رسائل على صفحاتها في مواقع التواصل الاجتماعي تناولت مكانته في النضال ضد الاستبداد وضرورة مواصلة نهجه.
ووصف القيادي في حزب الجمعية الإسلامية الأفغانية عطا محمد نور أحمد شاه مسعود بأنه "أسطورة فريدة لا تتكرر في الجهاد والمقاومة" و"رمز للقيم ومدرسة فكرية".
وأكد نور أن إحياء ذكرى مسعود الحقيقي لا يقتصر على "التقليد الظاهري وارتداء القبعة ووضع الوشاح حول العنق"، داعياً أنصاره إلى الاقتداء بـ"تقواه وأعماله الصالحة وصفاته الفريدة" في مسيرة النضال.
ووصف وزير العدل في الحكومة السابقة فضل أحمد معنوي أحمد شاه مسعود بأنه "رجل شامخ القامة، مفعم بالإيمان والغيرة والشجاعة".
وقال مخاطباً المواطنين الأفغان إن "الليل المظلم له نهاية"، معرباً عن أمله في أن "يعود فتيات وفتيان أفغانستان يوماً بحرية وشغف إلى المدارس والجامعات".
وقال الرئيس السابق للمجلس الأعلى للمصالحة الوطنية عبد الله عبد الله إن أحمد شاه مسعود كان "صادقاً ومضحياً"، وإنه كان، ببصيرته المستقبلية، "يُعلي المصالح الجماعية على المطالب الفردية والجماعية والعرقية".
وأضاف أن مسعود كان يرى في الانقسام وانعدام الثقة بين القوميات سبباً للهزيمة الجماعية، وظل حتى نهاية حياته يسعى إلى "إيجاد الوحدة والتوافق بين قوميات أفغانستان".
وأكد الرئيس الأفغاني السابق حامد كرزي أيضاً أن مسعود "يستحق الاحترام بسبب جهاده وجهوده من أجل حرية الوطن ووجوده بين الشعب".
وكتب وزير الخارجية الأفغاني السابق حنيف أتمر في منشور على منصة "إكس": "إن إرث نضال أحمد شاه مسعود وتضحياته في سبيل حرية الوطن وإيمانه بتضامن الشعب ووحدته، دروس خالدة لأجيالنا الحالية والمقبلة".
وأكد أن أفضل سبيل للحفاظ على إرث مسعود هو مواصلة الجهود المشتركة من أجل الوصول إلى بلد حر وإقامة نظام شرعي وخاضع للمساءلة.
وُلد أحمد شاه مسعود في 2 سبتمبر 1953 في منطقة جنغلك في بنجشير. وكان من أبرز الشخصيات العسكرية والسياسية في أفغانستان، وقاتل لسنوات ضد الجيش السوفيتي ثم ضد حركة طالبان.
وتولى منصب وزير الدفاع في حكومة برهان الدين رباني، ومنح لقب البطل الوطني لأفغانستان بعد ذلك خلال اجتماع الدستور في "اللويا جيرغا" عام 2004.
نشرت "أكاديمية أنار"، وهي منظمة غير حكومية مقرها ألمانيا تعمل في مجال تعليم الفتيات الأفغانيات، دراسة بعنوان "محرومات من حق التعلم"، أظهرت أن عدداً من الفتيات لجأن إلى التعليم عبر الإنترنت والتعلم الذاتي رغم القيود
التي تفرضها حركة طالبان.
ونُشرت الدراسة بالتزامن مع اليوم العالمي لمحو الأمية في 8 سبتمبر، وقالت أكاديمية أنار إن الدراسة أُعدت استناداً إلى إجابات أكثر من 2600 فتاة وشابة أفغانية، جُمعت خلال النصف الثاني من مارس 2026، ويعيش معظم المشاركات داخل أفغانستان.
وكان نحو 96٪ من المشاركات من 30 ولاية أفغانية، فيما شارك عدد آخر من خارج البلاد.
وأظهرت النتائج أنه بعد عودة حركة طالبان إلى السلطة في أغسطس 2021، لم تتخل كثير من الفتيات عن التعليم، وسعين إلى إيجاد وسائل بديلة لمواصلة الدراسة.
وقالت نحو 42٪ من المشاركات إنهن واصلن التعليم من خلال الدورات الخاصة أو تعلم اللغات أو اكتساب المهارات، فيما أشارت نحو 34٪ إلى التعليم عبر الإنترنت والمنصات الرقمية، وقالت قرابة 27٪ إنهن اعتمدن على التعلم الذاتي أو الدراسة في المنزل.
في المقابل، قالت أكثر من 17٪ إن تعليم الفتيات توقف لفترة أو تعرض لانقطاع كبير.
وخلصت الدراسة إلى أن تعليم الفتيات "لم يختف"، لكنه أصبح متفرقاً، إذ لا تزال كثيرات يدرسن، إلا أن تعليمهن لم يعد يسير ضمن مسار منتظم ورسمي.
وأشار التقرير إلى أن الدورات عبر الإنترنت والدورات الخاصة قد تساعد على استمرار التعلم، لكنها في كثير من الحالات لا تؤدي إلى الحصول على شهادات معترف بها أو الالتحاق بالجامعة أو مواصلة الدراسة بصورة منتظمة.
وأظهرت الدراسة أيضاً ارتفاع مستوى الوصول إلى الأجهزة الرقمية، إذ قالت أكثر من 95٪ من المشاركات إن لديهن إمكانية الوصول إلى هاتف ذكي أو حاسوب محمول. ووصفت نحو 51٪ جودة الإنترنت لديهن بأنها جيدة، فيما وصفتها قرابة 40٪ بأنها ممتازة. ومع ذلك، أكدت أكاديمية أنار أن هذه الأرقام لا تعكس أوضاع جميع الفتيات في أفغانستان.
وأظهرت الدراسة أن الرغبة في التعليم لا تزال مرتفعة بين الفتيات، إذ قالت كثير من المشاركات إنهن يرغبن في إكمال الدراسة المدرسية والالتحاق بالجامعة والعثور على عمل وتحقيق الاستقلال الاقتصادي مستقبلاً.
وتناول التقرير أيضاً الآثار الاجتماعية والنفسية للحرمان من التعليم، وقال إن الابتعاد لفترات طويلة عن المدارس والجامعات قد يؤدي إلى فقدان النظام اليومي وتراجع التواصل مع زميلات الدراسة وزيادة القلق بشأن المستقبل.
لكن أكاديمية أنار أوضحت أن الدراسة لم تُجرَ لتشخيص الاكتئاب أو القلق، ولا يمكن استخدام نتائجها لتحديد معدلات الإصابة بالأمراض النفسية.
وقالت رئيسة أكاديمية أنار بنظير بويا، خلال جلسة لإطلاق الدراسة، إن البدائل التعليمية لا ينبغي أن تحل محل التعليم الرسمي، مضيفة أن التعليم غير الرسمي "يمكن أن يحافظ على الأمل"، لكنه لا يستطيع أن يعيد للفتيات حقهن في التعليم.
وعُرضت الدراسة، الثلاثاء، بالتزامن مع اليوم العالمي لمحو الأمية، خلال جلسة عبر الإنترنت استضافتها الجمعية الدولية لحقوق الإنسان بالتعاون مع أكاديمية أنار، وشارك فيها عدد من خبراء التعليم وحقوق الإنسان الذين ناقشوا القيود المفروضة على تعليم الفتيات الأفغانيات وتداعياتها.
وتأسست أكاديمية أنار قبل نحو عامين في مدينة كولونيا الألمانية بهدف توفير التعليم الرقمي للفتيات المحرومات من الدراسة في أفغانستان.
وبحسب الأكاديمية، شارك حتى الآن أكثر من ألفي طالبة في برامجها التعليمية، فيما أكملت نحو 46 طالبة برامجهن التعليمية بنجاح وتخرجن.